طليطلة والقدس في الضمير الجمعي العربي

كانت مدينة طليطلة ( Toledo ) أكبر مدن القوط في شبه الجزيرة الإيبيرية وعاصمتهم الحصينة, لكن لم يُعرف عنها جمالاً أو مظهراً من مظاهر التحضّرفي عهدهم. منها زحف لذريق – آخر ملوك القوط في إيبيريا – على رأس مائة ألف فارس – لمواجهة جيش طارق بن زياد في وادي برباط جنوب الأندلس حيث هُزم شر هزيمة ولم يأت التاريخ على ذكره بعدها. فتحها القائد طارق بن زياد سنة  712 م وغدت واحدة من أعظم حواضر الأندلس على الاطلاق.
اشتهرت ببساتينها الغنّاء ونهرها وقلاعها المنيعة وجبالها. وظلت المدينة التي تقع في منتصف الأندلس منارة تشع نور الفنون والعلوم والجمال إلى العالم كله حتى حدث لها العجب العجاب ! فنتيجة لتناحر أمراء الأندلس في عصر ملوك الطوائف واستعانتهم بالممالك والإمارات الأوروبية المحيطة على بعضهم البعض, حدث أمر ليس له مثيل في التاريخ, فقد استعان القادر بالله يحي بملك قشتالة ألفونسو السادس الذي قدم بجيشه من شمال الأندلس وتوغل حتى وصل إلى طليطلة في وسطها دون أن يعترضه أحد من ملوك المسلمين وأمرائهم, ثم ضرب عليها حصاراً بدأ عام 1084 م وانتهي بسقوط طليطلة المدوي في منتصف العام 1085 م . وقد كان لسقوط طليطلة أثراً مدوياً مُحبطاً في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه وكان عام حزن شديد في الأندلس كلها.
الشاهد أن الشعب الأندلسي تفاعل مع سقوط طليطلة بعاطفة شديدة, وتمحور النتاج الفني والأدبي في الفترة التي تلت سقوطها حول الحنين إليها, والرثاء, ووعود باستردادها, ووعيد للقشتاليين, وإحياء ذكرى مجاهدي الأندلس القدامى. وكان مما قال أحد شعراء الأندلس في رثاء طليطلة :

شدوا رواحلكم يا أهل الأندلسِ

فما المُقام فيها إلا من الغَلطِ

الثوب ينسَل من أطرافهِ

وأري ثوب الجزيرة منسولاً من الوَسطِ

حضرت طليطلة بقوة في الضمير الجمعي, ثم انتقلت مع الوقت إلى ” اللاضمير ” الجمعي مع تعاظم الخلافات بين ملوك الطوائف وتأصلها, وتخطي تلك الخلافات للسياسة لتشمل أيضاً القواعد الشعبية في الممالك الأندلسية المختلفة. فظهرت نعرات تعصبية عند فرق من أهل تلك الممالك لممالكهم. والمثال الصارخ على هذا هو الاستقبال الشعبي الذي حظي به محمد بن الأحمر ملك غرناطة حينما عاد إليها بجيشه بعد أن شارك القشتاليين في حصار مملكة إشبيلية المسلمة وإسقاطها وهتاف الناس له ” الغالب ! الغالب ! “.
إن سقوط طليطلة – المدينة المنيعة الواقعة في منتصف الأندلس – كان مؤشراً على سقوط الأندلس كلها, لكن النزعة الطائفية وغياب طليطلة عن الضمير الجمعي الأندلسي كانا البداية الفعلية لسقوط الأندلس إلى غير رجعة.

ألا يشبه ماضي طليطلة حاضر القدس إلى حد التطابق ؟ ألم تبدأ القدس فعلياً في الغياب تدريجياً عن الضمير الجمعي العربي والإسلامي ؟ أمامنا كُتيب إرشادات التاريخ يخبرنا بأن القدس إذا غابت عن الضمير الجمعي كطليطلة وبأن الفُرقة إذا تعاظمت فسوف تسقط فلسطين كلها كما سقطت الأندلس كلها, أمامنا كتاب تاريخ مفتوح لا يحتاج مجهوداً لتحليله وقراءته, فلكل نتيجة سببها ولكل فعل رده. ومع ذلك تجد في أوطاننا من يتفاوض على حدود 1967 ومن يتفاوض على قطعة من القدس شرقية أوغربية, بل ومن لا يهمه أمر القدس أصلاً.
في الذكرى الـ 520 لسقوط الأندلس دعونا لا ننسى طليطلة .. ودعونا نحيي القدس في قلوبنا من جديد .. حتى لا تكون فلسطين أندلساً أخرى

محمد نصير

القاهرة
1\1\2012

About these ads

2 comments on “طليطلة والقدس في الضمير الجمعي العربي

  1. شكرا على قصّة طليطلة و ان شاء الله و باذنه ستنجو فلسطين بتكاتف و لحمة العرب …ربنا يقدّر الخير

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s