صالـــــــح – قصة قصيرة


غريبة تلك النظرة فى عينيه , تشعان بريقاً ساطعاً رغم ما يلاقيه من مشقات فى حياته اليومية , ترى وجهه
الأسمر وضاء صافياً وان شابه أحياناً بعض ما تُخَلفه السنون و تتركه الأيام
عم صالح , حارس العقار الذى يقطن به العبد لله والذى توالى عليه الخفر والحراس واحداً تلو الآخر حتى غدت
جدرانه شاهدة على أيام كل منهم بومضاتها حيناً وخفوتها أحياناً أخرى , وكأن كل واحد من هؤلاء الحراس قد خلف
على هذة الجدران علامات أو قل ندوباً لا تندمل بمرور الوقت وتعاقُب الأيام وتقلبها .
كان صالح شابأً يافعاً تطغى سمرته على معظم ملامحه ولكن ما كان ملفتاً فيه حقاً هما تلك الجوهرتان البنيتان
فى وجهه واللتان لطالما عجبت لبريقهما واقبالهما على الحياة , كان فارع الطول شديد النحافة حتى أصبحت هيئته أقرب الى عود القصب منها لبنى الانس , أما شعره القصير فكان شديد السواد كقطع الليل المظلم فى
سماء الصعيد والتى لم يكن يجد صالح فى معظم الأحيان بينها وبينه ساتراً , أو كفحم لطالما تمنى منه النذر
اليسير لينشله من براثن الزمهرير على رصيف رقم ثمانية بمحطة مصر فى أيامه الأولى فى سنته الأولى التى وطىء فيها قاهرة المعز أرض الذل والعز والحسين وأخته
.
لم اسأله يوماً من أى بقاع الصعيد أتى وان كان جلياً من لهجته وهندامه انه من أقاصى أقاصى صعيد مصر حيث لا
تصل الحملات الاعلامية لتحديد النسل ولا يحتاج الرجل منهم “بيريل” ليصير رجلاً وبيوتهم رغم فقرها فهى نظيفة بدون أبلة نظيفه وقطنتها . وعلى العكس كانت زوجته أم محمود والتى لم تعرف غير القاهرة موطناً منذ جائها
اهلها فتطبعت بطباعهم وصار يجرى على لسانها منطقهم , حتى ثيابها لم تسلم من التمدن وان بدا منظرها مضحكاً .
لم تتعد معرفتى بصالح قولى له : ” صباح الفل يا عم صالح ” ورده على : ” يسعد صباحك يا بيه ” , ومع ذلك كنت
متأكداً أن لا هم له فى الفانية الا اسعاد أم محمود ومحمود وأخوته والعمل على ذلك مهما كان الثمن…هكذا بدا .
أنطلقت فى ذلك الصباح متأخراً كعادتى قاصداً المدرسة , وجدت المصعد معطلاً فتيقنت أن رحلة العذاب المتمثلة
فى نزول عشرة طوابق على السلالم قد بدأت لتوها , وبعد أن أدركت نهايتها دلفت مسرعاً الى خارج البناية ووجدت صالح كعادته فى سائر الأيام فى مثل هذا الوقت ينظف سيارات السكان التى أكتظ بها الشارع حتى لم
يعد به موطىء قدم لأصحاب الدراجات أمثالى . ألقيت عليه التحية المعتادة ورد بالأجابة المعتادة وأزاد بأبتسامة من خلف زجاج احدى السيارات مما بعث على قلبى السرور فقد كانت من النوع الذى نفتقده هذة الأيام ربما
لقسوة الحياة..أو قسوة قلوب ولد آدم بتواتر العصور. المهم , مشيت بضعة أمتار حتى وصلت الى البقعة التى أنتظر عندها أحد أصدقائى كسائر الأيام يؤنسنى فى طريقى . نظرت فى ساعتى فوجدتها تشير الى الثامنة
والربع , وقفت فى مكانى أنتظر ورحت أرقب بأهتمام عم صالح وهو يقوم بعملة , وبعد لحظات ظهر “عصام” جارنا خارجاً من البناية . كان عصام شاباً حاد الملامح ومع ذلك كان ممتلىء الجسم قليلاً , أصلع الرأس ولم يكمل ربيعه
السادس والعشرون , لطالما كانت طباعة القاسية محط سخط ونقم الآخرين لكن بلا طائل , فهو وشيعته من أصحاب المناصب أو محاسيب أصحاب المناصب السيادية والنفوذ لا ترد لهم كلمة ولا يؤجل لهم طلب . باختصار
وكما نقول بالعامية , كان عصام “مسنود” وكانت هذة “السندة” هى سبب تسلطه الدائم على خلق الله .
نزل عصام الدرجات القليلة المؤدية الى الشارع ورمق صالح بنظرة خالية من اى تعبير ثم سأله ان كان انهى تنظيف
سيارته فاجابه بانه كان على وشك تنظيفها فور الأنتهاء من السيارة “اللى ف أيده ” واعتذر منه بكل أدب ولكن هذا لم يبد كافياً لعصام فأنهال على صالح يكيل له السباب ولكل أفراد عائلته الميت منهم والحى , حتى الحاجة أم
صالح ذات السبعين “خريفاً” لم تسلم من لسان المتسلط , وهنا صرخ صالح : ” أخرس!!!” لم يزيد عليها ولم ينقص فزأر عصام : ” وكمان بترد عليا يا أبن ال……” وصار يلكمه حيناً ويركله حيناً حتى حال بينهما الناس ولم أنتبه
الا وصديقى واقفاً بجانبى فمضينا الى وجهتنا .
مضى يومى الدراسى بطيئاً لم يخل من آلام الصداع أثناء حصص التاريخ وكأن هانيبال وجيوشة من القرطاجيين
يزحفون فى دماغى صوب أرض الرومان حيث ألتقى الجيشان ودارت الرحى حتى دوى جرس المدرسة فأختفى كل شىء وبعكس الحقيقة انتصر فى رأسى جيش هانيبال ولم يبق الا انا والصداع…. وفلول الرومان
.
عدت أدراجى الى البيت سريعاً فوجدت أم محمود تنوح وتلطم خديها وتتمنى لو أن لها ثالثاً تلطمه أيضاً , سألتها عما بها فأجابت بأنهم سيطردون وليس لهم مكان يؤويهم وعيالهم الا الصعيد وفقره وبرده وكلاب سلطانه.. , رجوت
صالح أن يعتذر من الطاغية من أجل أولاده وزوجته و لكنه أجاب بلكنته الصعيدية : ” أعتذر ازاى يا بيه !! مخبرش باللى حصل ؟ أنا اللى انداس عليا..هيا الكرامة للأغنيا واحنا لا ؟!! لا يا بيه دا انا حتى صعيدى!!” …أطلقت كلمات
الرجل سيلاً حاراً من الدموع أحرقت وجهى…قررت أن أكفكفها حتى لا يرانى أحد , لكن يد أم محمود بمنديلها كانت أسرع الى وجهى منى ولم تزد على قول : ربنا كريم
 

كريم على….مهندس مرموق ورئيس مجلس الحرب , أو كما يطلقون عليه ” مجلس أتحاد الملاك بالعمارة ” والذى تقرر أنعقاده عاجلاً وسرياً على غير العادة…فلطالما كان أنعقاد القمم العربية أسهل وأيسر من أنعقاد جلسة
لمجلسنا الموقر , وكعادة مجالس الحرب أقتصر الحضور على رؤساء الشقق وأربابها , فلا مكان لأمرأة أو أحد الأبناء . على كل حال , أنتظرت قدوم أبى بالأخبار وألهيت نفسى بتخيل أنتصارات هانيبال وهزائم الرومان..دخول
البابليين القدس..تدمير الهيكل..اه لو كانوا أبادوا بنى يعقوب فلم يبق منهم انسان ! , ولم يصرفنى عن جموحى وجنونى وهرطقتى الا صوت أبى معلناً مفاجأة لم يتوقعها أكثر المتفآلين…قرر المجلس الأبقاء على صالح !!! لا
أنتصاراً لكرامة الأنسان أو منعاً ان يشمت فينا الحيوان ولكن لأن صالح أرضى الناس بقليلة و ” مش لكعى وحمار شغل..نعديهاله  أحسن ” كما جاء على لسان كريم على

 


لم أهتم كثيراً بالسبب قدر اهتمامى بانتيجة , خلدت للنوم وأستيقظت هذة الجمعة مع شروق الشمس على غير عادتى فى سائرها كى أكون أول من يبشر صالح بالخبر. وجدت باب غرفته مؤصداً فتوجهت للخارج لعله يغسل
السيارات باكراً , لكن هذة المرة لم أجده ينظف بل وجدته وأهله فوق احدى سيارات النقل وقد جلسوا بجوار أمتعتهم , وقبل أن أعى ما يحدث بدأت السيارة فى الحراك..حاولت اللحاق بها دون جدوى..ناديته….لم
يسمعنى…..أبت نفسه وكبرياؤه أن يظل يوم آخر…رحل حتى قبل أن يعرف أنهم قرروا بقائه وما أحسبه كان ليكترث…عاد مجدداً الى الصعيد…حيث لا تنظيم أسرة ولا بيريل ولا أبلة نظيفة وقطنتها…وقفت فى منتصف
…. “الشارع أتابع السيارة وهى تبتعد رويداً رويدا حتى بدت كنقطة صغيرة فى الأفق لمعت ثم أختفت….وأختفى معها ” صالح
Advertisements

5 تعليقات على “صالـــــــح – قصة قصيرة

  1. مُحمـــد..كم ابدعتوكم هي رائعة كلماتك..وأوصافك..وتشبيهاتكلقلمك هنا طعم آخر …لا أدرى ربما هو الصدق لواقع جسدتهربما ستقابله يوما ما ..عندها فاسأله من أى منطقة فى الصعيد هو :))

  2. Thank you so much Ness =)I wanted to thank you in arabic but unluckily no Arabic is available now :(I've wrote another story called "Al Qahera 80" on that blog , maybe u wanna take a look 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s