أشهد أني سِرت

 

في تمام التاسعة إلا الربع مساءً بتوقيت القاهرة ومن على الدرج المؤدي إلى بنسيون سيسيليا العريق صاحب النصف نجمة – إن كان له في النجوم نصيب – الكائن بشارع محمد محمود بوسط المدينة, ولحسن حظي أني أحمل معي قلماً دائماً وورقة استعرتها, أكتب بعض وقائع اليوم الخامس والعشرين من يناير من العام الحادي عشر بعد الألف الثانية من ميلاد المسيح كما أعيشها وأراها بما بقى من نظري الذي أذهبته الدراسة في المهندسخانة.

كسائر الفعاليات التي أرى أنها في صالح معتقداتي وصالح مصر طبعاً( ودعني أوضح أنني لم أستخدم هنا كلمة وطن لأن الوطن هو كل أرض أو مكان وطن فيه الناس أو استوطنوه وسكنوه, والعلاقة بين مصر والمصريين أشمل وأعمق من ذلك بكثير)  نويت أن أشارك في احتجاجات اليوم, وكنت قد فرغت لتوي من اختبارات الجامعة لنصف العام في الأمس. استيقظت اليوم على شعور هائل بالمرض وبرد واحتقان في الزور يكاد يفوق الاحتقان الطبقي في المحروسة فظللت راقداًَ طوال النهار لم أنزل إلى صخب الاحتجاجات ولكن أتابع كل ما يجري دقيقة بدقيقة حتى جائتني رسالة على هاتفي من أحد الأصدقاء مفادها أن صديقاً آخر لنا قد سيق إلى قسم السيدة زينب قبل توجهه إلى ميدان التحرير, انتفضت مسرعاً وارتديت ملابسي وذهبت مع بعض الأصدقاء وعم صديقي لإخراجه من القسم والحمد لله قد كان, ولم يبق فقط إلا الاطمئنان على صديق آخر لي في ميدان التحرير . توجهت وصديقي المفرج عنه إلى هناك وحاولنا الاتصال به لكن جميع شبكات المحمول كانت معطلة بالأضافة إلى المحال التي أجبروا أصحابها على الإغلاق منذ الرابعة عصراً , قررنا الرجوع من حيث أتينا والأنتظار ولكن فجأة أصبح الشارع يعج برجال الأمن بملابس رسمية ومدنية وأغلقت جميع منافذ الشارع وأخذوا يفتشون الجميع ويطلعون على بطاقات الهوية الخاصة بالجميع ويطاردونهم فدخلت وصديقي أحد البنايات والتي تصادف وجود بنسيون سيسيليا في قمتها . ظللنا هناك دهراً وها أنا غارق الآن في كتابتي غير المنظمة وأفكاري المتشابكة ومشاعري المختلطة ..وبعد سجال فكري عنيف بيني وبين نفسي توصلنا إلى نتيجة واحدة وأرضية مشتركة يمكن البدء بالبناء عليها , أن اليوم مصر لم تتحرر, اقتصادنا لم يتطور, فرعوننا لم يتغير بل تغير وتحرر شيء أثمن من ذلك بكثير…العقول

لأول مرة ترى الشخصية المصرية من كافة الطبقات أمامها عدة طرق تختار منها واحداً, كانت في السابق لا ترى إلا  طريقاً واحداً موازياً للحائط ملاصقاً له , أما الآن فهناك عدة طرق هم على أتم الاستعداد للولوج فيها وأهمها طريق الثورة والمقاومة

أنتظر أن تهدأ حركة رجال الأمن في الشارع حتى أعود ثائراً إلى الميدان في ثورة لا يعلم نهايتها ونهايتنا إلا الله, ألا فاشهدوا اني وجدت طريقي , ألا فاشهدوا اني سرت


في تمام التاسعة إلا الربع مساءً بتوقيت القاهرة ومن على الدرج المؤدي إلى بنسيون سيسيليا العريق صاحب النصف

Advertisements

4 تعليقات على “أشهد أني سِرت

  1. أن اليوم مصر لم تتحرر, اقتصادنا لم يتغير, فرعوننا لم يتغير بل تغير شيء أثمن من ذلك بكثير…العقول

    أعجبتني
    يسلمو هالايدين!!

  2. رائع كعادتك يا أحلا وأغلا ميدو
    أشهد بأن العقول المصرية تحررت وأنك سرت يا صديقي العزيز
    وأتمنى لكل الدول العربية أن يحدث فيها ما حدث في مصر وتونس وقريباً تتحرر ليبيا من طاغوتها
    وعقبال البقية
    ثم نسير جميعنا يداً بيد نحو تحرير الحبيبة فلسطين، تلك الحلم الذي أصبح قريب التحقيق وبإذن الله في متناول الأيدي
    وبعدين وعد أعزمك على مقلوبة 🙂

  3. جميلة جدا ماشاءالله , شئ جميل ان نعرف مشاعر من ثاروا لمصر والأجمل انها توضح النفس البشريه أد ايه معقدة المشاعر ومدى قوتها , ربنا يبارك فيك وتحقق كل ماتتمناه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s