مصر – بيان المرحلة واستحقاقاتها

الحمد لله القديم بلا غاية, والباقي بلا نهاية, الذي علا في دنوه, ودنا في علوه, فلا يحويه زمان, ولا يحيط به مكان, ولا يؤوده حفظ ما خلق, ولم يخلقه على مثال سبق, بل أنشأه ابتداعاً, وعد له اصطناعاً, فأحسن كل شيء خلقه وتمم مشيئته, وأوضح حكمته, فدل على ألوهيته, فسبحانه لا معقب لحكمه, ولا دافع لقضائه, أما بعد, فالوضع السياسي المعقد والمتردي الذي نعيشه الآن لا تخفى فيه على أحد خافية, فكل القوى السياسية دون استثناء, ودون تشكيك في وطنية أحدها, أو تنزيه طرف وذم آخر, تمارس الاستقطاب في أقذع صوره وهي جاهلة بعواقبه القريبة والبعيدة على مستقبل مصر, مصر التي عجزت كلمة وطن أن تحتويها, فالوطن كل أرض استوطنها الناس وعاشوا فيها وانتفعوا منها, والعلاقة بين مصر والمصريين أعمق وأسمى وأكثر رساخة من ذلك بكثير, ولما آل الوضع إلى ما هو عليه, وتناحرت القوى السياسية فيما بينها على غنيمة لم يغنموها بعد, وفرقوا جهدهم وكانوا شيَعاً كل حزب بما لديهم فرحون, وألهاهم شيطان السياسية عن ما تسيَّسوا من أجله, وأعطوا عهداً به, فصارت السياسة هي الغاية, وألعابها الوسيلة, وخداعها المنهج والطريقة, ارتأى شخصي المتواضع أن هذا الوقت وهذه المرحلة ليست مرحلة ساسة وأحزاب وفرق, وليست أيضاً بمرحلة جهود فردية, فمن حكمة الله أن جعلنا نُحاسَب في الآخرة فُرادى, ولا ننجح فيها حتى يستقيم أمرنا في الدنيا, ولا يستقيم أمرنا في الدنيا إلا بالعمل الجماعي, حتى لا يركن الصالح العالم لنفسه ويترك من حوله في الظلمات غارقون, فيكون حرصه على من حوله كحرصه على نفسه, حتى لا يقول الله “به فابدأوا”, فسبحان الخالق الأدرى بخلقه. إنما المرحلة تستدعي
التكاتف في العمل المجتمعي, وترميم الشخصية المصرية التي أوشكت أن تتداعى وتتآكل بفعل ما فعله الفاعلون, ونشر الثقافة والعلم, والتوعية السياسية دون توجيه حتى يميز المواطن الخبيث من الطيب, والأهم من كل ذلك أن يتم تعليمه كيفية استقبال ما تعلم ثم إعادة إشعاعه في محيطه أينما ذهب وحل. أتمنى من كل مصري ومصرية ألا يكتفوا بالتبرعات المادية ولها من الأهمية ما لها, ولكن أحسبه فرض عين على الجميع أن ينشر علماً, أو سلوكاً, أو ثقافة, أن يبحث عن سبل خدمة المجتمع ويسلك إحداها, متطوعاً محتسباً عند الله الأجر, مُحباً لما يفعل مؤمناً بقيمته, حريصاً على أخيه كحرصه على نفسه, قوي العزيمة لا يفتر أو يستسلم, فبهذا يستقيم أمر مصر الذي أعوج دهراً,  نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا , ويعلمنا ما ينفعنا, ويصلح لنا دنيانا وأُخرانا,
اللهم آمين

محمد نصير
القاهرة, يونيو 2011

ملحوظة : في مقدمة التدوينة اقتباس من خطبة لواصل بن عطاء إمام المعتزلة المتوفي سنة 748 م بالمدينة المنورة

Advertisements

3 تعليقات على “مصر – بيان المرحلة واستحقاقاتها

  1. صح جدا جدا إن الجرى وراء الغنيمة هو سبب ما نحن فيه- وأنا رأيى أن العودة للميدان هى الحل- لا يستقيم الوضع والداخلية تتصرف بنفس النهج قبل مرور عام على الثورة!! قبل محاسبة أى مجرم… قبل أى شىء.. الداخلية تستهين بعقولنا وكرامتنا أكثر من أى وقت مضى !!

  2. لجيش افتكرها حركه اصلاحيه والقوى السياسيه افتكرتها غنيمه سياسيه وجهاز امنى فى منتهى الصلف والغباء ومعركه على السلطه بين اخوان على ليبراليين على سلفيين على مش عارف ايه ونخبه واعلام بيرغوا فى كلام فارغ عن دستور الاول ولا انتخابات وكل نخبه او… فضائيه وراها رجل اعمال ليه مصالحه الخاصه.
    والشعب فى وادى تانى خالص مهموم بدم ولاده اللى راح ولقمة عيشه اللى مش لاقيها وكرامته اللى مداسه بالجزم والكل بيغلى ونتيجه متوقعه
    خير ان شاء الله
    الله يريدنا ان نستكمل الثوره

  3. التدوينة كلها اعجبتنى …كلام مظبوط مية بالمية ..جبت من الاخر …و حعمل شير..فى تألق دائم ان شاء الله

    “أتمنى من كل مصري ومصرية ألا يكتفوا بالتبرعات المادية ولها من الأهمية ما لها, ولكن أحسبه فرض عين على الجميع أن ينشر علماً, أو سلوكاً, أو ثقافة, أن يبحث عن سبل خدمة المجتمع ويسلك إحداها, متطوعاً محتسباً عند الله الأجر, مُحباً لما يفعل مؤمناً بقيمته, حريصاً على أخيه كحرصه على نفسه, قوي العزيمة لا يفتر أو يستسلم, فبهذا يستقيم أمر مصر الذي أعوج دهراً, نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا , ويعلمنا ما ينفعنا, ويصلح لنا دنيانا وأُخرانا,
    اللهم آمين”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s