سلسلة ثوار الحق | الحلقة الأولى : شهيد الحرم

هناك ثوار يملؤون الأرض ضجيجاً حتى لا ينام العالم بثقله فوق الفقراء كما قال جيفارا, هؤلاء الثوار تتردد أسمائهم في أركان العالم الأربعة وتنقل عنهم الخطب والأحاديث والمقالات والبطولات, كما يتخذهم الثوار الجدد قدوة وأمثلة يحتذى بها, وهم يستحقون. لكن المشكلة أننا كثوار عرب ننظر شمالاً إلى فلاديمير لينين, وشرقاً إلى غاندي, وغرباً إلى جيفارا, وجنوباً إلى مانديلا, ولا ننظر أبدأ لأنفسنا وتاريخنا الزاخر بأعظم الثوار والأبطال, إن كان ثوار العالم قد ملؤوه ضجيجاً فثوارنا ملؤوه حقاً وتضحيةًَ وعَدلاً وإخلاصاً قلَّ وجوده في أي زمان ومكان. سأحاول جاهداً في هذه السلسلة تسليط الضوء على ثوار الحق بقدر ما أعطاني الله من علم ضئيل بطريقة مُركَّزة مُختصرة حتى يسهل على القاريء العادي التعرف عليهم دون تعب أو تململ, وبعد ذلك يستزيد من المصادر المختلفة إن رغب في ذلك, وإن لم يرغب فيكفيني أنه على الأقل قد عرف أسمائهم وإنجازاتهم وقصصهم وبطولاتهم وما انتفضوا من أجله وكيف انتفضوا, ولقد آثرت البدء بواحد من أحب ثوار الحق إلى قلبي…شهيد الحرم

نسبه ونشأته

الخليفة المنسيّ شهيد الحرم ..هو الأسم الذي أحب أن أطلقه على سيدنا عبد الله بن الزبير – رضي الله عنهما – , أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وأبوه الزبير بن العوام حواريّ رسول الله وابن عمته. كان أول ذكر يولد للمسلمين في المدينة وفرحوا به فرحاً شديداُ حتى أن أبي بكر الصديق حمله وطاف به يثرب ليغيظ اليهود الذين زعموا أنهم سحروا للمسلمين في المدينة فلا يولد لهم ذكر. كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحبه ويدنيه إليه, وفرح وتبسم وجهه الشريف حين اقبل عليه عبد الله مبايعاً وهو بعد طفل. ومن مواقفه المشهورة في صباه والتي تدل على الشجاعة والثقة بالنفس أنه كان يلهو مع الغلمان في الطريق, فجاء عمر بن الخطاب وهو خليفة المسلمين وقتها ففر الغلمان إلا عبد الله, فسأله أمير المؤمنين عن أمره فأجابه: “لم أجرم فأخافك ولم تكن الطريق ضيقة فأوسع لك “. كما كان يتدرب في طفولته مع أبيه الزبير بن العوام على ركوب الخيل والرماية وسائر فنون الحرب

شبابه وصفاته ومواقفه وجهاده

كان نحيفاً يميل شعره إلى الصفرة, شهماً جريئاً عالماً زاهداً, وروي عنه أنه قسم الدهر إلى ثلاث ليال: ليلة هو قائم حتى الصباح وليلة هو راكع حتى الصباح وليلة هو ساجد حتى الصباح. كان رابع أربعة رابطوا في بيت خليفة رسول الله عثمان بن عفان للدفاع عنه وظل على موقفه وعثمان يشفق عليه من كثرة الطعان والإصابات حتى خرج من دار عثمان محمولاً على أكتاف الرجال مغشياُ عليه من فرط ما بذل من مجهود. شارك في معارك عديدة وكان له فضل كبير في فتوحات شمال إفريقيا

الــــثـــــــــــــــــــــــــورة

عندما مات معاوية بن أبي سفيان كان هناك بعض كبار الصحابة الذين لم يبايعوه على استخلاف ابنه يزيد بعد, وكان أشد هؤلاء المعارضين الإمام الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير. قام يزيد في اليوم الأول لخلافته فخطب في الناس واعداُ إياهم بأن يعطيهم غنائم الجهاد كلها لا ثلثها كما كان يفعل أبوه, وبألا يرسلهم للقتال في ارض الروم شديدة البرودة شتاءً كما فعل أبوه, وبألا يركبوا البحر للجهاد كأمرهم في عهد أبوه, فبايعه أغلب الناس فرحين بذلك, كما بايعه بعض كبار الصحابة المعارضين له حقنتً لدماء المسلمين وحفاظاً على وحدة الصف كعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس. لكن يزيد لم يهدأ وظل حريصاً على أخذ البيعة من الحسين وعبد الله بن الزبير رغبة أو رهبة, طواعية أو عنوة, فذهب الحسين وعبد الله إلى الحجاز وتلت ذلك أحداث عظام منها موقعة كربلاء في العراق التي قتل فيها سيدنا الحسين وجائوا برأسه الشريفة إلى يزيد وبنساء آل بيت رسول الله سبايا. ولما وصل لعبد الله بن الزبير نبأ استشهاد الحسين اخد يستميل أهل الحجاز ضده ويدعوهم لقتاله, أما يزيد الذي أدرك خطورة ما فعل بالحسين فقد آثر في البداية أن يضم عبد الله بن الزبير إليه بالحسنى والكلمة والطيبة فجاء رد عبد الله بن الزبير عليه عظيماً شديداًُ جريئاً, ثم بايع أهل الحجاز عبد الله على الخلافة. فأرسل إليه يزيد جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، غير أنه توفي وهو في الطريق إلى مكة، فتولى قيادة الجيش بن النمير فحاصر مكة شهرين تخللتهما بعض المناوشات الغير حاسمة حتى جاء خبر وفاة اليزيد فسادت الفوضى في جيشه وانسحب, ثم اختار أهل الحجاز عبد الله بن الزبير خليفة للمسلمين بعد يزيد وبايعه على ذلك أيضاً أهل الكوفة والبصرة ومصر وخراسان وبعض أجزاء الشام معقل بني أمية. لم يهدأ الأميون وظلوا يحاربون عبد الله بن الزبير وهو مقاوم صابر, حتى جاء عهد الخليفة عبد الملك بن مروان الذي أرسل جيشاً بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي لمهاجمة مكة مركز قيادة عبد الله بن الزبير فحاصرها ستة أشهر مانعًا عن الناس الماء والطعام كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير، وضرب الكعبة بالمنجنيق فتهدمت أجزاء منها, وتحت وطأة الجوع استسلم الكثير من جنود عبد الله، وأعطى الحجاج الأمان لكل من يخرج, حتى أنه قد خرج بعض أولاد عبد الله بن الزبير مستسلمين, ووجد عبد الله نفسه وحيدًا، فقرر أن يتحمل مسئوليته حتى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة فائقة، وكان عمره يومئذ سبعين سنة. ويروى أنه قد جاء أمه أسماء بنت ابي بكر قبل استشهاده فشكا إليها خذلان الناس له ، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله ، وأنه لم يبق معه إلا اليسير ، ولم يبق لهم صبر ساعة ، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : يا بني ، أنت أعلم بنفسك ; إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك ، يلعب بها غلمان بني أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت ; أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك ، وإن كنت على حق فما وهن الدين ، وإلى كم خلودكم في الدنيا ؟ القتل أحسن . فدنا منها ، فقبل رأسها ، وقال : هذا والله رأيي . ثم قال : والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته ، ولكني أحببت أن أعلم رأيك ، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أماه ، فإني مقتول من يومي هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمي لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عمل بفاحشة قط ، ولم يجر في حكم الله ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته ؛ بل أنكرته ، ولم يكن عندي آثر من رضا ربي عز وجل ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي ، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري ، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني . فقالت أمه : إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدمتني ، أو تقدمتك ففي نفسي ، اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك . فقال : جزاك الله يا أمه خيرا ، فلا تدعي الدعاء قبل وبعد لي . فقالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق, ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب ، والظمأ في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبي ، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين ، ثم قالت له : ادن مني أودعك . فدنا منها فقبلته ، ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه ، واعتنقها ليودعها ، وكانت قد أضرت في آخر عمرها ، فوجدته لابسا درعا من حديد ، فقالت : يا بني ، ما هذا لباس من يريد ما تريد من الشهادة . فقال : يا أماه ، إنما لبسته لأطيب خاطرك ، وأسكن قلبك به . فقالت : لا يا بني ، ولكن انزعه . فنزعه ، وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد ، وهي تقول : شمر ثيابك . وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه ; لئلا تبدو عورته إذا قتل ، وجعلت تذكره بأبيه الزبير ، وجده أبي بكر الصديق ، وجدته صفية بنت عبد المطلب ، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدا ، ثم خرج من عندها ، فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها ، ثم قالت : امض على بصيرة . فودعها ، وخرج وهو يقول
ولست بمبتاع الحياة بسبة  ***   ولا مرتق من خشية الموت سلما
وظل يقاتل جيش الحجاج الجرار هو ونفر قليل ممن ثبتوا معه حتى أفناهم الحجاج في الحرم عن بكرة أبيهم, ثم جاء بجسد عبد الله بن الزبير فصلبه, فمرت بجوار جسده أمه العجوز الكفيفة أسماء بنت أبي بكر فسلمت عليه ودعت له ثم قالت جملتها الشهيرة: “أما آن لهذا الفارس أن يترجل؟” وكان يوم حزن وبكاء عظيم في مكة, ومر به عبد الله بن عمر وهو مصلوب فقال: “السلام عليك يا أبا خبيب، قالها ثلاث مرات، أما والله، لقد كنت أنهاك عن هذا” (يقصد قتال بني أمية) ثم أخذ يثني عليه ويذكر صيامه وقيامه ومكانته ثم بكاه
رحم الله عبد الله بن الزبير وأثابه بقدر ما حارب الظلم من بعده المحاربون, وجاء على ذكره العطر الذاكرون, وبكاه بحرقة كما أبكيه الآن الباكون…رحم الله ثائر الحق , شهيد الحرم , خليفة المسلمين عبد الله بن الزبير بن العوام

قالوا عنه

ما كان باب من العبادة يعجز عنه الناس إلا تكلفه عبد الله بن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل ابن الزبير يطوف سباحة – مجاهد بن جبير

والله ما رأيت نفسًا رُكّبت بين جَنْبين مثل نفسه، ولقد كان يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليه، وكان يركع أو يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله، لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارًا أو ثوبًا مطروحًا، ولقد مرَّت قذيفة
منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي، فوالله ما اهتزَّ لها، ولا قطع من أجلها قراءته، ولا تعجَّل ركوعه – أبي مليكة

كان قارئًا لكتاب الله، مُتَّبِعًا سنة رسوله، قانتًا لله، صائمًا في الهواجر من مخافة الله، ابن حواريّ رسول الله، وأمه أسماء بنت الصديق، وخالته عائشة زوجة رسول الله، فلا يجهل حقه إلا من أعماه الله – عبد الله بن عباس

من أقواله

إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها ويعرفونها من أنفسهم، من صبر على البلاء، ورضى بالقضاء، وشكر النعماء، وذل لحكم القرآن وإنما الإمام كالسوق: ما نفق فيها حمل إليها، إن نفق الحق عنده حمل إليه وجاءه أهل الحق، وإن نفق عنده الباطل جاءه أهل الباطل.

Advertisements

2 comments on “سلسلة ثوار الحق | الحلقة الأولى : شهيد الحرم

  1. تعقيب: سلسلة ثوار الحق | الحلقة الثانية : قمر بني هاشم « Politirature ©

  2. ما شفتش علاقة ام بابنها بالطريقة دي ..
    وعفكرة في شبه منك فيه وربنا يرضى عنك 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s