سلسلة ثوار الحق | الحلقة الثالثة: فرناندو دي بالورالأموي

هناك ثوار يملؤون الأرض ضجيجاً حتى لا ينام العالم بثقله فوق الفقراء كما قال جيفارا, هؤلاء الثوار تتردد أسمائهم في أركان العالم لأربعة وتنقل عنهم الخطب والأحاديث والمقالات والبطولات, كما يتخذهم الثوار الجدد قدوة وأمثلة يحتذى بها, وهم يستحقون.لكن المشكلة أننا كثوار عرب ننظر شمالاً إلى فلاديمير لينين, وشرقاً إلى غاندي, وغرباً إلى جيفارا, وجنوباً إلى مانديلا, ولا ننظر أبدأ لأنفسنا وتاريخنا الزاخر بأعظم الثوار والأبطال, إن كان ثوار العالم قد ملؤوه ضجيجاً فثوارنا ملؤوه حقاً وتضحيةً وعَدلاً وإخلاصاً قلَّ وجوده في أي زمان ومكان. سأحاول جاهداً في هذه السلسلة تسليط الضوء على ثوار الحق بقدر ما أعطاني الله من علم ضئيل بطريقة مُركَّزة مُختصرة حتى يسهل على القاريء العادي التعرف عليهم دون تعب أو تململ, وبعد ذلك يستزيد من المصادر المختلفة إن رغب في ذلك, وإن لم يرغب فيكفيني أنه على الأقل قد عرف أسمائهم وإنجازاتهم وقصصهم وبطولاتهم وما انتفضوا من أجله وكيف انتفضوا. في الحلقة الأولي تحدثنا عن شهيد الحرم وكان معروفاً لقطاع ليس بالصغير من الناس, وفي الثانية تحدثنا عن قمر بني هاشم وكان أقل من صاحبه شهرة بكثير, وفي الثالثة بإذن الله نتحدث عن ثائر لا يعرف بأمره إلا أقل القليلين رغم كفاحه وبطولاته وإحياءه سنة الجهاد في أحلك الأوقات وأصعب الظروف التي كانت كفيلة بكسر عزيمة أي رجل عادي ولكن هيهات ! فثوارنا “ثوار حق” بحق

   نسبه ونشأته

هو فرناندو بن دون هرناندو دي بالور, ولد عام 1520 م بقرية بالور بغرناطة لعائلة موريسكية عريقة تعرف بعائلة لوس بالوريس, وهم عرب مسلمون أندلسيون من نسل بني أمية, وقد أجبروا كغيرهم على تغيير أسمائهم المسلمة بأخرى مسيحية قشتالية بعد سقوط غرناطة عام 1492 م وإظهار ولائهم للكنيسة وإن أبطنوا في قلوبهم الإسلام يعلمونه لأبنائهم في السر جيلاً بعد جيل, وهو ابن عم مولاي عبد الله محمد الثائر المجاهد الموريسكي المعروف الذي نال من الشهرة ما لم يناله ثائر حلقتنا .

نشأ فرناندو ( أو محمد كما سيُسمى لاحقاً ) في بيت نبيل يُعرف أهله بالغنى والكرم وكان فارساً من الطبقة الرابعة والعشرين لغرناطة أو بمفاهيم عصرنا عضواً بالمجلس البلدي لغرناطة

الـــثـــــــــــــــــــــــــــورة

وصل القشتاليين أو الإسبان إلى قمة إجرائاتهم التعسفية ضد الموريسكيين في عهد فيليب الثاني الذي أصدر قراراً بتحريم اللغة العربية نهائياً وتجريم من يستعملها ومنع جميع أنواع الملابس العربية, كما قرر منع جميع الموريسكيين من السفر خارج إسبانيا باعتبارهم مسيحيين واجب عليهم إثبات إخلاصهم, ومن يخالف القرارات منهم يتم إعدامه ومصادرة أملاكه لحرمان ورثته منها. وكان لهذه القرارات التعسفية الغبية مردوداً قوياً عند الموريسكيين فاجتمع كبارهم وأعلنوا استقلالهم وثورتهم التي تُعرف تاريخياً باسم “ثورة البشرات” وبايعوا ثائرنا فرناندو دي بالور ملكاً عليهم وأُطلق عليه اسم “محمد الأموي” وغلبتهم الحمية وغشيتهم روح الجهاد. قام محمد بن أمية أول الأمر بتعيين عمه قائداً للجيش كما عيّن زعيم قبيلة ابن سراج الموريسكية مأموراً عاماً, وانضمت أيضاً لثورة ابن أمية أجزاء من مالقة ثم تلتها ألمرية, وأخذ الثوار المبادرة وهاجموا القشتاليين رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد, ولكن منذ متى علمنا تاريخنا أننا ننتصر بالعدد والعتاد ؟.  ظل الثوار يحصدون النصر تلو الآخر وظلت روح الثورة ورياح الجهاد تنتقل من قرية إلى قرية تذكر الناس بأيام الله حتى تعاظمت الثورة وانضم إليها مجاهدون متطوعون من المغرب العربي, كما تروي بعض المصادر أن فرقة من الجيش العثماني قد قاتلت بجوار الثوار أيضاً. اهتز عرش إسبانيا لهذه الثورة وتزعزت أركان المملكة القشتالية القوية بما أظهره هؤلاء الرجال من عزيمة وبسالة, وانعكس ارتباكهم ورعبهم على أفعالهم فصاروا يحرقون القري ويقتلون النساء ويمثلون بالجثث, وكلها أفعال تفضح عجزهم وخوفهم من ثوار مستضعفين في الأرض لا يملكون إلا عزائمهم, ولكن للأسف الشديد لم تترك الخيانة الثورة تهنأ بانجازاتها, فقام القشتاليين برشوة بعض الموريسكيين الخونة المقربين من فرناندو أو محمد بن أمية فقتلوه في قصره  في أكتوبر من العام 1569 م. استشهد البطل الذي وإن لم تكن له مكانة في تاريخ الثوار كمكانة ابن عمه مولاي عبد الله أو دييجو لوبيز الذي خلَفه فيكفيه أنه حمل شعلة الجهاد الأولى وأحيا سنة لم يحسبها أحد قائمة من جديد في ذلك المكان وذلك الزمان, يكفيه أنه حول ثورة البشرات المجيدة من مجرد تمرد لبعض القري المتفرقة غلى ثورة منظمة لها قيادة مركزية وجيش ورؤية موحدة. ولأني لا أحب الإطالة في هذه السلسلة كما تعودتم سأوجز لكم باقي أحداث ثورة البشرات رغم انتهاء دور بطل حلقتنا بها. قام الإسبان بإعلان الحشد وجهزوا جيشاً ضخماً بقيادة دون خوان وحاصروا الثوار ومعهم فرقة من العثمانيين في إحدى البلدات الصغيرة ثم سقطت البلدة وارتكب القشتاليين أو الإسبان فيها أبشع المجازر على الإطلاق ثم أصدروا عفواً عاماً عن كل من يسلم نفسه من الموريسكيين ويعلن ولائه لهم , وكل من يرفض الخضوع يُقتل , لكن الثوار استجمعوا أمرهم من جديد وقاتلوا القشتاليين رغم عدم التكافؤ وأيلوا بلاء حسناً, لكن الخيانة أبت مرة أخرى أن تتركهم وشأنهم ! فقد جند القشتاليين أحد ضباط مولاي عبد الله الكبار فقام ومعه نفر من رجاله بقتل مولاي عبد الله ولم تقم بعدها لثورات الموريسكيين قائمة تُذكر حتى قرار الطرد النهائي عام  1609 م

رحم الله فرناندو دي بالور محمد بن أمية وأسكنه فسيح جناته وجزاه و دييجو لوبيز مولاي عبد الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء

Advertisements

3 تعليقات على “سلسلة ثوار الحق | الحلقة الثالثة: فرناندو دي بالورالأموي

  1. استمر يا محمّد بتعريفنا بمثل هؤلاء الثوار الموريسكيين.

    * ملاحظة، حجم الخط في المدونة صغيرٌ ومتعبٌ للعين .. لو استطعت تكبيره لكان خيراً ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s