مشاهد عراقية

مرت على العراق أوقات عصيبة وأحداث هامة منذ الغزو الأمريكي في عام  2003 لكنه يمر الآن بأدق مرحلة في تاريخه الحديث من وجهة نظري . فالساحة السياسية العراقية تكتظ الآن – كما لم تكتظ سابقاً – بلاعبين فاعلين يحاول كل منهم بسط نفوذه وفرض قواعده على اللعبة بل واستدعاء أصدقائه أيضاً لضمان السيطرة على مجرياتها. ولا يخفى على أحد بالطبع أن التنوع العرقي والطائفي في العراق قد ساهم في إذكاء هذه المنافسة المحمومة والشرسة التي أدت إلى تقوقع الكيانات والأيدولوجيات وقطع حبال التواصل والتفاهم بينها  ليصبح التربص والتصيّد والضرب تحت الحزام العملة الرسمية في تعامل هذه الكيانات  مع بعضها البعض. ورغم المحاولات المستميتة من مؤسسة الحكم بالعراق للظهور بشكل وطني عراقي خالص مجرد من أي انتماءات أخرى, إلا أن أفعالها وقراراتها تناقض ذلك وأصبح التأييد الشعبي لها شبه معدوم. ويبقى العراق في انتظار من يعيد وحدته ويحميها من النخب العراقية نفسها قبل الخارج

* * *

لا صوت في العراق الآن يعلو فوق صوت خلاف المالكي – الهاشمي. ورغم تحفظاتي على كل الأطراف إلا أن هذا الخلاف قد جسد المعدن الطائفي اللاوطني للحكومة العراقية بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي وأضاف صدعاً جديداً في الجسر الهزيل بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة.  فمع تزايد الضغوطات على الحكومة العراقية واتهامها بالفشل من قبل أطراف عديدة نجد أن المالكي – المتهم أصلاً بتمويل ميليشيات شيعية في العراق  وارتكاب جرائم حرب – قد لجأ لأسلوب الضرب تحت الحزام للقضاء على منافسيه السياسيين ولإظهار العين الحمراء لمؤسسة الرئاسة بمنع نائب الرئيس السني طارق الهاشمي من السفر ثم إصدار مذكرة توقيف بحقه على خلفية  ما يقال أنها اعترافات لحرس الهاشمي بالضلوع في جرائم إرهاب يعاقب عليها القانون العراقي. ولكي تكتمل المسرحية خرج علينا المالكي في مؤتمر صحفي ليتحدث عن دولة الدستور والمؤسسات والشرعية وأن العراق الجديد ليس به أحد فوق القانون وأخذ يشير ضمنياً إلى أن حكومته هي التي أعادت الأمن والأمان للعراق وأنها الضامن الوحيد له. ثم بعد تصريحات إياد علاوي ضد الحكومة أمس وتلميحه إلى وجود نية للتكتل لسحب الثقة منها نسمع اليوم عن تفجيرات “عديدة” هزت أرجاء بغداد وأسقطت 300 ضحية ما بين قتيل وجريح .. أين حكومة الأمن والأمان والقبضة الحديدية يا سيد نوري المالكي ؟ أم أن هناك رسالة محددة تريد إيصالها إلى من يهمه الأمر ؟

* * *

تقول آخر الإحصائيات بأن نسبة من يعيشون تحت خط الفقر في العراق قد تجاوزت الـ40% وبأن نسبة البطالة قد وصلت لـ50% والأمية تكاد تتجاوز الـ 50% في بلد كان شبه خال منها في مطلع التسعينيات . وتقول آخر تقارير منظمة الشفافية الدولية بأن العراق يحتل المرتبة الرابعة في قائمة أكثر دول العالم فساداً ..  وأقولها بدوري سخريةً على الطريقة المصرية : احنا آسفين يا صدّام

* * *

لا أحد مع بقاء قوات الاحتلال الأمريكي في العراق. لكن انسحابهم بهذا الشكل وفي هذا التوقيت يضرب لهم أكثر من عصفور بحجر واحد. فهو دعم ضمني لصديقهم المالكي وانجازاً قد يمثل آخر قشة يتمسك بها قبل غرق حكومته. كما أنه توقيت ولا أروع من إدارة الرئيس أوباما قبل انتخابات الرئاسة في 2012 ! فبرغم ثقل الملف الإقتصادي على مكتب الرئيس أوباما إلا أنه لا شيء يستطيع إلهاب حماسة الناخب الأمريكي أكثر من إعادة ” فتيان أمريكا الشجعان ” إلى منازلهم .. ضربة معلم في الوقت بدل الضائع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s