خواطر عن التَزْكية (التصوّف) والإسلام والتفكُّر

Image

 

أُفضل أن أُسمي “التصوّف” باسمه الآخر “علم التزكية” لأنه أقرب إلى الأصل والمعنى ولأنه مَعنيّ  بتزكية الشخص بالاجتهاد في العبادات وتربية النفس وتطهيرها والوصول إلى الله. والتزكية (التصوّف) الحق بعيداً عن قبيح البِدَع والترهات هي أحد أضلاع مثلث الدين الذي يتكون من الإسلام والإيمان والإحسان. فقد اهتم علم الفقه بتعاليم وأحكام الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، والتزكية بالإحسان. وإذا كانت التزكية هي طريق الوصول إلى الله لتحقيق مرتبة الإحسان فأنا مؤمنٌ أنها مسلكٌ فرديُّ بحت لا جماعيّ، فالطريق بين كل عبد وربه مختلفٌ مُتفرد بذاته وحاراته وميادينه ودروبه وانعطافاته، ولكل عبد مدخله الخاص إلى الحقيقة والدين والمعيّة، فوِردُك الذي تقرأه على ترتيبه وأعداده من ذِكر وأدعية قد لا يناسبني ووِردي قد لا يُناسبك، حتى أوراد وأدعية كبار الشيوخ  الأُوَل رغم روعتها إلا أنها لا تصلح إلا لهم, فقد انبثقت عن قلوبهم هُم ومعرفتهم هُم ومسلكاً سلكوه إلى الله هُم. ومن يُعرف بـ “شيخ الطريقة” ليس بنبيّ ولا وَليّ وقد يُصيب ويُخطئ

 

ببساطة شديدة أريد أن أقول أن النفس لا يعلم خباياها ومفاتحها إلا خالقها، إن أحب عبداً أجتباه وأدناه ويسّر له السبيل إليه و “ما زال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتّى أحبه” ، وإن سخط على عبد أقصاه وجعل فقره وهمّه بين عينيه, ويوم القيامة نُحاسب فُرادي لا جماعات وفِرِق، وكل حجيج نفسه أمام الله .. التزكية في رأيي مسلك فرديّ وقولبتها في شكل جماعيّ يُفرغها من مضمونها ويجعلها عرضة للابتداع والرياء. ومن المعروف أن الصوفيّة بدأت كنزعات فردية في القرن الثالث الهجري بعد التكاثر المادي الرهيب الذي أصاب الأمة الإسلاميّة حتّى كادت معاني الإحسان والحب أن تضيع تماماً .. ومن أشهر الذين سلكوا المسلك الفردي في التزكية (التصوّف) العز بن عبد السلام ومحمد الفاتح وعبد القادر الجزائري وصلاح الدين الأيوبي وعمر المختار, وأخيراً وليس آخراً عز الدين القسّام 

ولا يُفهم من كلامي أن المرء يجيب أن يكون وحيداً شريداً في دينه ! فلا مانع أن تكون لك صحبة صالحة تجتمعون معاً كل فترة لتتدارسون القرآن وعلوم الدين ويطمئن كل منكم على دين صاحبه وأحواله مع الله وتتناقشون وتتفكّرون .. فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية 

بَقي فقط أن أسرد خاطرتان قصيرتان .. الأولى عن الإسلام عينه والثانية عن عِبادة مَنسيّة

ورثنا الإسلام عن أجدادنا .. لم نسعَ إليه .. لم نُضحِ من أجله .. لم نجد مشقّة الطريق .. ولم نذُق حلاوة الوصول .. فهل حقاً الإسلام وربّه في قلوبنا أم في تراثنا ؟ .. كونك وُلدت مسلماً – والحمد لله – لا يعني أنك معفيّ من رحلة اليقين والوصول والاطمئنان، لأن إيمانك دونها كالقشّة في مهب الريح .. جدّد إسلامك .. ابحث عن الله في قلبك .. جرّب أن تغتسل ثم تقول بقلبك قبل لسانك “أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله” .. جرّب أن تُسلم نفسك إلى ربّها حقَّ الإسلامِ من جديد .. جرّب أن تُسلم روحك وقلبك وعقلك وضميرك وجوارحك وسائر أمرك .. جرّب أن تُسلم كأنك ما أسلمت قبلا 

وعبادة التفكُّر من أهم العبادات في الإسلام وللأسف كثير منا يهملها في عصرنا هذا .. أحب أن أسميها عبادة التعرّف على الله .. عبادة تُمارس بالعين أحياناً وبالقلب أحايين أخرى .. وأعمال القلب أفضل من أعمال الجوارح .. أن ترى قدرة الخالق في المخلوق .. أن تتدبّر في خلق الله وأسمائه وطاعاته واليوم الآخر .. عبادة تفتح آفاق العلم وتزيد الإيمان والتواضع أمام قدرة الله .. عبادة ربّانية لا تتركها .. قال عنها الحسن : إن من أفضل العمل الورع والتفكّر .. وقال يوسف بن سباط : إن الدنيا لم تُخلق ليُنظر إليها بل ليُنظر بها إلى الآخرة

 
Advertisements

One comment on “خواطر عن التَزْكية (التصوّف) والإسلام والتفكُّر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s