أيّها القادم من بعيد .. ارحل

 

أيها القادم من بعيد .. من برد روسيا، من ضباب لندن، من شمس إثيوبيا، من وَحشةِ نيويورك .. ارحل

ارحل لأنّك ترتعد من حَجَرٍ وأنت المُدجّج بالسلاح

ارحل لأنك تفرّ هارباً مع أول صافرة إنذار في مدينة يزعمون أنها لك .. لأنك لست مستعداً للموت من أجل هذه الأرض .. لأنك تعلم أنها ليست لك

أيها القادم من بعيد .. ارحل ! .. ارحل لأنك نبتٌ شيطانيٌّ تَلفظهُ الأرض، وما طين هذي الأرض إلا رفات الأجداد الممزوج بالدماءِ والعَرَق

ارحل لأنك تبني الجدار خلف الجدار خلف الجدار .. أتحاصرنا أم تحاصر نفسك؟

ارحل فما حولك إلا فلسطينيّ لم يعد لديه ما يخسره، ومصريّ يستفيق، وشاميّ يعود .. ارحل فقد أوشكوا أن يجتمعوا، وإن اجتمعوا فلا مفر

أيها القادم من بعيد ارحل، فكل أسلحة العالم ودروعه ليست كافية لجعلك تشعر بالأمان

ارحل .. لأن يدك المُرتعشة الجبانة تقتل الأطفال حين تعجز أمام الرجال

ارحل إلى بلاد جدّك .. ارحل إلى أي مكان .. فحتّى أسماك البحر ووحوش البريّة ستكون أرحم بك من أطفال هذا الجيل حين يكبرون

أيها القادم من بعيد .. من قسوة بولندا، من أمطار ألمانيا، من جبال آسيا الوسطى، من أزقّة باريس .. ارحل

 

جحافـــــل وفلـــــــول

الثورات عموماً يقوم بها من 6% إلى 10% من الشعب والباقي بمفردات ثورتنا إما “فلول” أو “كنب”، ويشهد التاريخ أن ما من ثورة تنتقل من   العهد الديكتاتوري إلى ديمقراطية مفتوحة مباشرةً دون قرارات ثورية تستند إلى شرعية الثورة والثوار إلا ويتم اختطافها أو تحييدها أو الإلتفاف بها إلى نقطة البداية وكأنها لم تكن, وهذا المثال ينطبق – للأسف – على معظم ثورات العصر الحديث. واستناداً إلى ما سبق فإن الواقع هو أن الثوار ومن والاهم هم فلول الشرفاء الذين نجوا من مذابح النظام الفكرية والأخلاقية والإنسانية, وأن أعداء الثورة  بتعدد أسباب عداوتهم لها هم جحافل الشعب وكهنة معبد الاستقرار.  وهنا يبقى السؤال .. هل الحل الأمثل هو أن نعمل على تغيير وتوعية الناس أولاً حتى إذا تغيرت الأغلبية  تغير النظام ؟ .. هل المنهج الإصلاحي البطيء هو أصح وأرسخ مناهج التغيير ؟ .. هل كان علينا أن نبدأ التغيير من قاعدة الهرم وصولا إلى قمته  بدلاً من أن نغير  القمة ويبقى القاع بأساساته التي نخرها السوس فيأخذ قمة البناء الجديدة ويهوي بها ؟ .. ربما .. لكن تظل العقبة الكبرى أمام هذا المنهج هو أن النظام الفاسد سيحول حتماً بين دعوات الإصلاح وبين الناس وسيمنعها بكل ما أوتي من أدوات البطش, وسيقول قائل بأن الفتوحات الإسلامية اعتمدت هذا المبدأ, فقد كانت تُفتح البلدان بغرض إزالة أنظمتها الفاسدة التي تحول بين الناس وبين دعوة الإسلام. وعلى الجانب الآخر كما أسلفنا فإن المنهج الثوري السريع الذي يغير القمة قبل القاع  قد يصل بنا لنتائج كارثية .. هل ثرنا قبل الأوان بكثير أم بعده بكثير ؟  هل تُرانا زرعنا ما يكفي قبل الثورة لنحصد ثماراً بعدها ؟  أم أن الثورة هي الثمرة ؟  .. أهو زمن النهضة ؟  أم زمن الجحافل والفلول ؟